أبو الليث السمرقندي

410

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ، يعني : إنما ابتليتم بعبادة العجل . وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ ، يعني : إلهكم الرحمن ، فَاتَّبِعُونِي يعني : اتبعوا ديني وَأَطِيعُوا أَمْرِي يعني : قولي . قوله تعالى : قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ ، يعني : لا نزال على عبادة العجل عاكِفِينَ يعني : مقيمين ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى . فلما جاءهم موسى ، قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ، يعني أخطئوا الطريق بعبادة العجل أَلَّا تَتَّبِعَنِ يعني : أن لا تتبع أمري في وصيتي فتناجزهم الحرب ؟ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي . يعني : أفتركت وصيتي ؟ . قالَ له موسى ذلك بعد ما أخذ بشعر رأسه ولحيته ، فقال هارون عليه السلام : يَا بْنَ أُمَّ قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر يا ابن أمّ بكسر الميم على معنى الإضافة ، وقرأ الباقون بالنصب بمنزلة اسم واحد لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بشعر بِرَأْسِي . إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ، يعني : جعلتهم فرقتين وألقيت بينهم الحرب ، وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ؛ يعني : لم تنتظر قدومي . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 95 إلى 97 ] قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ( 95 ) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ( 96 ) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ( 97 ) ثمّ أقبل على السامري فقال له : قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ؟ يقول : ما شأنك ، وما الذي حملك على ما صنعت ؟ قالَ السامري : بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ . قرأ حمزة والكسائي بالتاء على معنى المخاطبة ، وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ، يعني : رأيت ما لم يروا وعلمت ما لم يعلموا به يعني : بني إسرائيل . قال موسى : ما الذي رأيت دون بني إسرائيل ؟ فقال : رأيت جبريل عليه السلام على فرس الحياة . وهو قوله : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، يعني : من أثر فرس جبريل . وفي قراءة عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه فقبصت قبصة بالصاد ، وروي عن الحسن أنه قرأ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً بالصاد ، وهو الأخذ بأطراف الأصابع ، وقراءة الجماعة فَقَبَضْتُ قَبْضَةً بالضاد وهو القبض بالكف . فَنَبَذْتُها ، يعني : فطرحتها في العجل . ثمّ قال : وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ، أي : زينت ، فلا تلمني بهذا الفعل ولمهم بعبادتهم إياه . قالَ له موسى عليه السلام : فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ ، يعني : عقوبتك في الدنيا أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ ، يعني : لا أمس أحدا ولا يمسّني أحد ، ويقال : ابتلي بالوسواس وأصل الوسواس من ذلك الوقت ، ويقال : معناه لن تخالط أحدا ولن يخالطك أحد ، فنفاه عن قومه .